ابن عجيبة

73

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولما أمر الحق جل جلاله بأكل الحلال الطيب أخرج ضده ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 90 إلى 92 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 ) قلت : ( رجس ) : خبر ، وأفرده ؛ لأنه على حذف مضاف ، أي : تعاطى الخمر ، أو خبر عن الخمر ، وخبر المعطوفات محذوف ، أي : كذلك . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا تناول الْخَمْرُ ؛ وهو كل ما غيب العقل ، دون الحواس ، مع النشوة والطرب ، وَالْمَيْسِرُ وهو القمار وَالْأَنْصابُ وهو ما نصب ليعبد من حجارة أو خشب ، وَالْأَزْلامُ أي : الاستقسام بها ، وقد تقدم تفسيرها « 1 » ، رِجْسٌ قذر خبيث تعافه العقول السليمة ، مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي : من تسويله وتزيينه ، فَاجْتَنِبُوهُ أي : ما ذكر من تعاطى الخمر ، وما بعده ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي : تفوزون بالرضوان والنعيم المقيم . قال البيضاوي : اعلم أن الحق تعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية ، بأن صدّر الجملة بإنما ، وقرنها بالأنصاب والأزلام وسماهما رجسا ، وجعلهما من عمل الشيطان ، تنبيها على أن الاشتغال بهما شر محض ، وأمر بالاجتناب عن عينهما ، وجعله سببا يرجى منه الفلاح ، ثم قرّر ذلك بأن بيّن ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقال : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، وقد وقع ذلك في زمن الصحابة ، وهي كانت سبب تحريمه ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ؛ إنما خص الخمر والميسر بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصودان بالبيان . وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنّهما مثلهما في الحرمة والشرارة ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « شارب الخمر كعابد الوثن » « 2 » . وخص الصلاة من الذكر بالإفراد ؛ للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان ؛ من حيث إنها عماده ، والفارق بينه وبين الكفر ، ثم أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدم من أنواع

--> ( 1 ) راجع تفسير الآية 3 من السورة نفسها . ( 2 ) أخرجه بلفظه البزار ، كشف الأستار ( الأشربة ، باب في شارب الخمر ) من حديث عبد اللّه بن عمرو ، وأخرجه ابن ماجة في ( الأشربة باب مدمن الخمر ) بلفظ : ( مدمن الخمر ) .